الدكتور عزمي عبد البديع : في ظلال رسالة الإمام الخطّابي الموسومة بـ(بيان إعجاز القرآن) الجزء الرابع


خزانة الأديب
ذكرنا فيما أمضيناه من القول أنّ الخطّابي ذهب إلى أن القرآن معجز من الجهات التي يقوم عليها الكلام وهي (اللفظ - المعنى - النظم) والبشر يتفاوتون في الوفاء بحق هذه الجهات الثلاث فمن أوفى باللفظ لم يوف بالمعنى ومن أوفى باللفظ والمعنى وقع في اختلال النظم والتأليف ومن هنا كان عجز البشر عن البلوغ إلى حدّ الكلام المعجز
.


ثمّ أخذ الخطّابي يعرض بعضا من الشبهات التي قد تعترض عقول القاصرين عن فهم لغة القرآن الكريم ومقاصده أو الذين يعمدون إلى إثارة الشبهات فيطرحونها في طريق العوام من الناس حتى يقع الشكّ والارتياب في كتاب الله تعالى.


فمن هذه الشبهات التعبير بلفظ (أكَل) بدلا من افترس في قوله تعالى (فأكله الذئب) والعرب لا تعرف إلا الافتراس في لغة السباع خاصة على ما زعموا.

ولفظ (امشوا) في وصف حال المشركين بدلا من سارعوا كما في قوله تعالى (أن امشوا واصبروا على آلهتكم) والمشي أدنى درجات السير.

ولفظ (هلَك) بدلا من زال في قوله تعالى (هلك عنى سلطانية) والهلاك يكون في الأعيان والأشخاص والسلطان معنى فلا يصحّ فيه الهلاك.

وكقوله تعالى (والذين هم للزكاة فاعلون) ولا أحد من الناس يقول فعل فلانٌ الزكاة وإنما يقولون زكّى الرجلُ ماله أو أدّى زكاة ماله.

وكزيادة بعض الحروف ولا معنى لها كقوله تعالى (ومن يُرد فيه بإلحادٍ بظلم) وقوله (ولم يعْيَ بخلقهن بِقادر) والباء لا موضع لها ها هنا.

ومن الشّبَه التي قد تعرض من جهة سوء التأليف ونسَق الكلام بما ينبو عنه الذوق ولا تليق به الفصاحة على زعمهم وبهتانهم قوله تعالى (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) بعد قوله (أؤلئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة).
وقوله (وقل إني أنا النذير المبين كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين).

وكقوله تعالى (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ) وليس في أول الكلام ما يصحّ به التشبيه على ما هو ظاهر في زعمهم.
قال المبطلون وقد يقع الحذف والاختصار كثيرا في القرآن فيشكل بذلك معناه كحذف أجوبة الشرط وهو كثير كما في قوله تعالى (ولو أن قرآنا سُيرت به الجبال أو قطّعت به الأرض أو كُلم به الموتى بل لله الأمر جميعا) فلم يذكر الجواب فبطلت فائدة الكلام وأصبح المعنى مبتورا.

وكقوله تعالى (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها) فأسقط جواب الشرط ونظائره كثيرة في القرآن الكريم.
ومن الشبه أيضا التكرار فقد وقع بكثرة ملحوظة كقوله (فبأي آلاء ربكما تكذبان) وقوله (ويل يومئذ للمكذبين) وهو عكس ما سبق في أسلوب الحذف حيث إنّ التكرار يفسد الكلام أيضا.

ويدخل في هذا الباب تكرار القصص والمواعظ وضرب الأمثال في سور متفرقة وقد زعموا أن الأولى أن يقسّم القرآن على موضوعات موحّدة فتكون هناك سورة للقصص وسورة للمواعظ وسورة للحِكَم والأمثال وسورة للأحكام والتشريعات ونحو ذلك حتى يحسن ترتيب الكلام ويسهل حفظه في العقول وثباته في الصدور.

وقد يُدخل بين الكلاميْن ما ليس من جنسهما ولا قبِيلهما كقوله تعالى (لا تحرك به لسانك لتعجل به) بعد قوله (بل الإنسان على نفسه بصيرة) وهذا ليس بالفصيح عند أهل البيان وأرباب الكلام.

ومن هذه الشبهات أيضا ما ذكروه من قلة الغريب في ألفاظ القرآن الكريم بالإضافة إلى الواضح منها وهذا بخلاف ما عليه بلغاء الشعراء في استعمالهم الغريب وإكثارهم منه مما يشهد لهم بالتمكن في اللغة وقوة العارضة في البيان.

هذه مجمل الشبهات التي أثيرت حول البيان القرآني ولننظرْ كيف ردّ الخطّابي هذه الشبهات بالحجج والبراهين القوية من العلم باللغة وبوجوه الكلام وبفقه طرائق القرآن الكريم في الفصاحة والبيان وصدق الله تعالى (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا).

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Smartwatch

Random Products