الدكتور عزمي عبد البديع : في ظلال رسالة الإمام الخطّابي الموسومة بـ(بيان إعجاز القرآن) الجزء السادس

وأمّا ما عابوه على كتاب الله تعالى من كثرة الحذف والاختصار فقد عابوا وجها عظيما من وجوه بلاغته لأنّ البلاغة تقتضي حذف فضول الكلام وإسقاط زوائده ولا يوجد حذف في القرآن الكريم إلاّ وقد قامت قرينة حالية أولفظية أو سياقية تدل على المحذوف والمحذوف إذا دلت عليه قرينة كالمذكور تماما إلاّ أنّ الحذف في هذه الأحوال أبلغ.
وثمّ شيء آخر هو أنّ الحذف في القرآن الكريم أبلغ من الذكر في كل موضع ولو أنك عمدت إلى محذوف في آية من آياته وصرّحت به وأظهرته في اللفظ والصورة لسقطت بلاغة الكلام وذهبت طلاوته كحذف أجوبة الشرط مثلا من نحو قوله تعالى {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ } أي لكان هذا القرآن وإنما الحذف هنا لتذهب النفس فيه كل مذهب كما في قوله تعالى {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي لرأيت أهوالا عظيمة لا يمكن وصفها فتأمّل حالك مع الذكر وحالك مع الحذف لتدرك بعد ما بين الكلامين!!
وأمّا ما عابوه من التكرار في القرآن الكريم فإنّ التكرار في الكلام على ضربين محمود ومذموم والتكرار يكون مذموما إذا أمكن الاستغناء عنه وهذا ليس منه في القرآن شيء ألْبتّة.
وأطول تكرار وقع في كتاب الله تعالى ما جاء في سورة الرحمن {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} وإذا نظرت ستجد أنه كلما ذكَر نعمة أو ما يقوم مقامها أعقبها بما يُوجب شكرها إشارة إلى وجوب الإقرار بالنعمة والإحساس بها والتأكيد على العناية والاهتمام بشأنها وهذا صنيع فصحاء العرب يُكرّرون الكلام في مواطن العناية والتأكيد.
كما يقع من عتاب الرجل ولَدَهُ العاقّ حين يجْحَدُ فضلَه عليه فيقول له الوالد: (ألمْ أُحسنْ إليك؟ ألم أُنفق ما لي عليك؟ ألم أفعل لك كذا وكذا؟ كل هذا على سبيل التقرير والتأكيد وتذكيره بنعمه وأفضاله عليه حتى يرعوي عن غيّه وضلاله...يُتبع إن شاء الله.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Smartwatch

Random Products