الشاعر الدكتور إيهاب عبد السلام يكتب : من قلب دسيا الحلقة (40)


خزانة الأديب :
الشاعر الكبير إيهاب عبد السلام
 الحلقة (40) من قلب قرية دسيا
يتساءل بعض أبناء قريتي كيف أتذكر الكثير من تفاصيل حياتهم وقد نسوها، رغم أنهم لم يغادروا القرية، وقد غادرتها أنا من عام 1986، وقد تكرر هذا التساؤل من الأقارب والأصدقاء، مما جعلني أتساءل أنا أيضا، لماذا أتذكر بينما هم ناسون..؟!
وقد وصلت إلى تفسير أظنه صوابًا، وذلك أنني قد غادرت القرية منذ ذلك العهد، فانقطعت عني مرافقة أهلها ومتابعة أحداثها لأكثر من ثلاثين عامًا، ولما كانت الأحداث يَدْفَعُ بعضُها بعضًا، ويُغطي بعضُها الآخَرَ، ويَئِدُ الحديثُ منها القديم، ولم يعد لي فيها حديث، فظلَّ القديم ماثلا أمام عيني، كأنهُ حدثَ في الأمس القريب، وإنني حين أسافر إلى القرية وأقعد في البراندة، حيث كنت أجلس من أكثر من ثلاثين عاما، يُخَيَّل إليَّ أنني سأرى الأطفال الذين تركتهم في ذلك الحين كما هم يلعبون حول منزلنا في سنهم التي تركتهم عليها، ولا أنتبه إلى أن عجلة الزمن دارت دورتها فشيبتني وشيبتهم فصار بعضهم أبًا أو جدًّا، وصارت بعضهنَّ أُمًّا أو جدَّة.
مهما تكررت الزيارات الخاطفة يظل ذلك الإحساس ينتابني بين الحين والآخر، ولعلَّ هذا يشير من طرف قريب إلى ما كان من أهل الكهف عندما قاموا من رقدتهم بعد ثلاثمئة وتسع سنين فذهبوا إلى المدينة وهم يظنون أنهم سيجدون كل شيء على ما تركوه حينما غادروه، وكأنهم غابوا عنه يوما أو بعض يوم.
وإني لأعتبر نفسي في القاهرة ضيفًا غَريبًا وإن أقمت فيها كل هذه السنوات، فلا تزال مشاهد القرية ماثلة أمام عيني، لأنها محفوظة في الوجدان.
إذا رأيت طفلا أو طفلة قصدت منزلنا في منتصف الليالي وسألت عن أمي في طلب عاجل، فإذا بأمي تلتقط طرحتها فتلف بها رأسها في سرعة، ثم تخرج مهرولة إلى بيت من بيوت جيراننا، وكان أغلب الجيران إن لم يكن كلهم أقاربنا، وأنا أمسك طرف ثوبها منطلقًا معها، فاعلم أن ذلك لأمر واحد فقط، وهو أن إحدى جاراتنا مريضة وقد اشتد عليها التعب، وإنها لا تتعافى إلا (بِرَقْوة أم بديع)... كنت أقعد بجانب أمي وهي عند رأس المريضة وقد أمسكت بورقة صغيرة وأخذت تمسح على جسمها وترقيها بصوت شبه مسموع، وأظن أن مما كانت تقوله في رقيتها: (رقيتك من العَكْس والنَّكْس وكل شيطان مكس...) ثم تحرق الورقة بعد الانتهاء من الرقية.
لم أكن أعرف ما العكس والنكس؟ ولكن ما أعرفه أن بعد الرقية مباشرة كانت المريضة تشعر بالعافية قد دبت في جسمها، وقد تجلس وتشارك الحضور الحديث. ولذلك كان الجيران حريصين أيما حرص على (رقوة أم بديع) دون سواها.
وقد ترى في ذلك الزمان -السبعينيات- طفلا ممسكا بزجاجة (كازوزة) ويمشي بهِمَّةٍ مهرولا قاصدًا بيته، وقد كان يقال للمياه الغازية بجميع أنواعها (الكازوزة) ولهذا الاسم تاريخ، يَحْسُنُ أن نشير إليه؛ عندما جاء المحتل الغربي إلى بلاد المشرق العربي تعرَّف على مشروب (عرق السوس) ولم يكن معروفًا في بلادهم، فكانوا ينطقونه بلكنتهم الأعجمية (آل كا زوز) وعندما اخترعوا في بلادهم مشروب المياه الغازية، لاحظوا الشَّبَهَ الشَّكْلِيَّ بينه وبين ذلك المشروب الشرقي، فأطلقوا عليه الاسم ذاته (الكازوز) فقلدناهم قائلين (الكازوزة) وقال أهل البندر: (أزُّوزَة) حتى إن أغنية للسيدة: (ليلى نظمي) انتشرت في ذلك الحين تقول: (مَا اشْرَبْشِ الشَّاي أشْرَب أزُّوزَة أنَا) مع أن أصل الاسم (عرق السوس).
نعود إلى ذلك الطفل المهرول إلى بيته حاملا زجاجة (كازوزة) فلا يمر على أحد قاعد أمام بيته إلا سأله في قلق شديد: (خير يا ابني مين اللي تعبان عندكم..؟!).
لا تعجب من هذا السؤال؛ فقد كان الناس يشترون هذه الزجاجة لعلاج مرضاهم، فإذا شعر أحدهم بمغص، قِيلَ: (هاتوله قزازة كازُّوزة حايبقى كويس). بل إنهم كانوا يعالجون بها بهائمهم أيضًا. كان هؤلاء الطيبون يتخذون بالأسباب؛ أية أسباب، والله تعالى هو الشافي المعافي.
ولا أنسى موقفًا طريفا تستدعيه ذاكرتي في سياق هذا الحديث، عندما سافرت إلى قريتي في بداية التسعينيَّات... وكانت أسرتي قد اقتنت وَافِدَةً جديدةً على بيتنَا، والكل يحبها وسعيد بها، خاصة أمي، ولكن تلك التي تحتفي بها الأسرة مرضت، والتفَّ الجميع حولها قلقين عليها، وقد حان وقت سفري ولا بد لي من مغادرة القرية إلى القاهرة، فتركتها مريضة وسافرت، وبعد يومين أردت أن أطمئن عليها، ولم تكن الهواتف المحمولة قد ظهرت بَعْدُ. ولم يكن في سكني مع بعض رفاقي من الشباب المغترب هاتف أرضي، ولم أكن أحب أن أستغل هاتف عملي في مكالمة خاصة مهما كانت الظروف، رغم أنني كنت أسهر فيه منفردًا كثيرًا.
كان الاتصال من الكبائن الملحقة (بالسنترالات) العامة، فإذا أردتُ أن أتصل بالقرية فَعَليَّ أن أحضر عملات معدنية فئة عشرة قروش، أما المكالمة داخل القاهرة فكانت تتطلب عملات فئة خمسة قروش، تتيح لك القروش العشرة الكلام لثلاث دقائق، وإن لم تُلْقِم الماكينة عشرة قروش أخرى فسوف ينقطع الخط.
جمعتُ عدة عملات فئة عشرة قروش لأتصل وأطمئن عليها بعدما تركتها مريضة ولا أدري ماذا صنع الله بها، أتذكر أنني ذهبت إلى سنترال العتبة في قلب القاهرة العامرة، وكان على تلك الكبائن إقبال شديد، ومن النادر أن تراها خاوية. وقفتُ في الطابور متخذًا دوري، وكان الذي يتكلم في الكابينة يسمعه كل من وراءه، فلم تكن خطوط الهاتف بتقنياتها آنذاك تسمح بأن يصل الصوت الهامس إلى من يحدثه، فكانت بدائية القدرات، وعليك أن ترفع عقيرتك ليصل صوتك. كما إن كَوْنَ الواقفين في الطابور ينتظرون دورهم يجعلهم بالفطرة -دون رغبة منهم- يتابعون المكالمة ربما يحدسون بنهايتها واقتراب دورهم.
اتصلت بمنزلنا ورَدَّ عليَّ أخي، فأخذت أكلمه في أي شيء، وأنا أقول في نفسي: (يا رب يطمني عليها من غير ما أذكر اسمها) كنت في بداية المكالمة أخجل من أن أذكر اسمها وهذا الطابور خلفي يسمع ما أقول وجميعهم غالبًا قاهريون، كان خلفي حوالي خمسة ينتظرون دورهم... نفد الوقت وَعَلَيَّ أن أضَعَ عُمْلَةً أخرى حتى لا ينقطع الخط.
وضعت عملة أخرى...
وأخرى...
وأخرى...
وأنا ألفُّ وأدور في الكلام حولها لعلَّ أخي يطمئنني عليها من نفسه، ولكنه لم يفعل، فلم يكن يتوقع أنني أتصل لأجلها.
يا الله... ماذا أفعل..؟! رمقتُ الطابور بطرف عيني فوجدت أن فتاة جميلة انضمت إليه، فزادت الأمر صعوبة، انتهت المدة وقد تحدثت -على غير عادتي- في أشياء لا قيمة لها، لم تبق إلا عملة واحدة... والطابور يطول، والفتيات الجميلات تنضم إليه، جَرَّبْتُ أن أذكر اسمها همسًا، ولكن -كما توقعت- ردَّ أخي بصوت يكاد يسمعه من في الطابور خلفي: (ارفع صوتك يا إيهاب بتقول إيه..؟!).
لم أجد بُدًّا... إنها أهم من كل هؤلاء الواقفين خلفي، فرفعت عقيرتي كمن يتحدَّى نفْسَه: (طمني على الجاموسة عملت إيه..؟).
وإذا بالواقفين والواقفات يضحكون من قلوبهم، فحدجتهم بنظرة غاضبة، فسكتوا واجمين، ثم ضحكت فضكوا معي، ولكنهم لم يعلموا أني لم أضحك من أجلهم ولكن لأن الجاموسة (بقت زي الفل والحمد لله)...

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Smartwatch

Random Products