خزانة الأديب :
الشاعر الكبير إيهاب عبد السلام
الحلقة (39) من قلب قرية دسيا
إذا افترضنا أن إنسانًا اسمه (أ) كانت له أخت من أمه فقط، وأخ من أبيه فقط، ثم شاء القدر أن يتزوج ذلك الأخ من تلك الأخت، فلا قرابة بينهما مطلقًا، ولهما أخ مشترك، فيكون (أ) هذا خالًا وعَمًّا لأبنائهما في آن واحد.
هؤلاء الأبناء الذين عَمُّهُم خَالُهم تكون لهم قدرة روحية على علاج الملووح والمجذوع والمفكوك من العظام، بمجرد تدليك مكان الإصابة تعود العظام إلى محلها، فكان يُقَال: (فلان في إيده الرَدَّة) أي إن يده تَرُدُّ العظام إلى محلها.
وقد أنعم الله على قريتي الطيبة بأسرة طيبة، فيها رجال ونساء عَمُّهُم خَالُهُم، فكان المصابون من الرجال يلجأون لرجالها، والمصابات من النساء تلجأن لنسائها... وربك كريم وهو الشافي المعافي.
هكذا كان يَعْتَقِدُ أهلُ قريتي، وأظن أن هذه الثقافة منحدرة من العهد الفرعوني، فلم أجد لها أثرًا في ثقافة حديثة، فكان إذا وقع إنسان على يده أو قدمه فانجزعت، قيل له: (شوف لك حد يكون عَمُّه خالَهُ يدلكها لك).
أشياء كثيرة كان يعتمد عليها الناس بعد الله تعالى في الشفاء، ومنها ذلك الإناء النحاسي الصغير، ويطلق عليه (طاسة الطَّرْبَة) أظنُّ أنه كان منقوشا بتعاويذ معينة، فإذا أصيب أحد بحالة من الرعب نتيجة (خَضَّة مَا) وما أكثرها في ذلك الحين نظرا لحلكة الظلام وكثرة الأشباح، فتجد المخضوض قد اصفرَّ وجهه وهربت منه الدماء، وزاغت عيناه، واسترخت يداه، أتوا بتلك الطاسة فوضعوا بها ماء وحلوه بالسكر، ثم دعكوه في الطاسة بملعقة، ويظل بها مدة محددة ثم يشربه المرعوب فيزول ما به من أثر الرعب.
أما (المِشَاهرة) فكان أمْرُهَا عجيبًا حقًّا، أربعة عشر حجرا صغيرا، تتفاوت أحجامها بين العملة المعدنية وقرص الطعمية الصغير، وهي غير منتظمة، وكلها يبدو حقا أنها أحجار كريمة، مختلفة الأحجام والأشكال والألوان، وقد ثُقِبَتْ من منتصفها بعناية، ولُضِمت في خيط، كانت لهذه الأحجار قدرة على حل مشاكل السيدة المَكْبُوسَة، فماذا تعني (مكبوسة)..؟!
- إذا كان لدينا عروس، ثم جاءت عروس أخرى لم يمر على زواجها سوى أسبوع واحد لزيارتها فدخلت عليها يتم (كبسها) والأحوط أن تنتظر العروس القديمة لتدخل عليها الجديدة.
- إذا كانت لدينا سيدة والدة، ودخل عليها أحد من أهلها بعدما حلق ذقنه مباشرة يتم (كبسها).
- وهناك حالات أخرى...
السيدة المكبوسة قد ينقطع لبنها عن طفلها الرضيع، وقد يتأخر إنجابها إلى حين، فكانت تضع تلك (المشاهرة) في إناء به ماء، وتمر من فوقه سبع مرات وهي تقرأ بعض الآيات، ثم تغتسل بهذا الماء، بين الأذان والإقامة يوم الجمعة، فيأذن الله تعالى بالشفاء، وتنفك (الكَبْسَة).
كانت أمي –رحمها الله- قد ورثت هذه المشاهرة عن أمها التي ورثتها عن أمها، ولا يعلم سوى الله –تعالى- من أي العصور انحدرت ولا من أي الأماكن استُجْلبت، ولكن أمي كانت تعتقد أنها أُحْضِرَت من أماكن مقدَّسَة، وكانت الحجارة بالفعل غريبة. كانت أمي تهتم بها أيما اهتمام عملا بوصية أمها التي منحتها إياها قبل أن تموت مباشرة، وأوصتها بأمرين؛ الأوّل: ألا تمنعها عن أحد. والآخر: أن يكون ذلك لوجه الله تعالى. ولكم اعترضتُ على تلك المشاهرة في طفولتي:
- يا امَّه ارمي البتاعة دي ملهاش لازمة.
- يا ابني ربنا بيفك بيها كرب ناس كتير عايز تمنعها ليه بس؛ حرام عليك..؟!
عديد من العادات كانت لا تزال قائمة في دِسْيَا حتى عقد السبعينيات ثم اختفت، وأظن أن تلك العادات كانت قائمة لأكثر من ألف عام لم تتغير ولم تتبدَّل، وكأن السبعينيات ورِدْحًا من الثمانينيات مرحلة فاصلة في تاريخ الزمان، ومحور مهم تم تغيير وجه الحياة عنده تمامًا، وكأنَّ كتابا يتألف من آلاف الصفحات ظلت يد الزمان تتصفحه حتى إذا وصلتْ إلى تلك الفترة طويت غلافه الأخير ليبدأ عهد جديد.
لماذ أكثر من ألف عام..؟!
إذا رأيت صبيًّا في دسيا في السبعينيات إلى سن عامين، فانظر إلى ظهره، ستجد حقائب صغيرة في حجم راحة اليد قد علُّقت بعناية، قد تكون واحدة أو اثنتين وأحيانا ثلاثة، وهي مَخِيطَة على محتواها حتى لا يسقط منها، واتخذت مكانها على ظهر الطفل دون بطنه حتى لا يعبث بها، وتظل في مأمن من شرابه وطعامه، ما غيرت أمه ملابسه إلا حرصت كل الحرص على تعليق تلك الحقائب في مكانها لا تتخلف عنه.
إنها ليست حقائب وإنما حُجُبٌ (جمع حِجَاب) كما كانت تُسمَّى، وإنْ شئت فقل إنها تمائم (جمع تميمة) لتحفظه من الشرور... كانت تلك التمائم منتشرة بل أساسية أحيانًا في ذلك الزمن. وقد ذكرها امرؤ القيس من أكثر من ألف وخمسمئة عام في معلقته الشهيرة: (فَمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ ** فَألْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْوَلِ) و(ذو تمائم) كناية عن الطفل الذي عُلِّقَت في ظهره تلك التمائم، و(مُحْوَل) أي مرَّ عليه الحول، فَسِنُّه عامٌ أو أكثر قليلا. يقول امرؤ القيس لفتاته التي تدلَّلَت عليه مفاخرًا بحب النساء له: إنه دخل على سيدات في جمالها بعضهن حُبْلَى وبعضهن مرضع فأقبلت عليه لاهية عن ابنها الرضيع الذي مرَّ عليه عام واحد وقد عُلِّقَتْ عليه تمائم.
تلك الحال التي وصف بها امرأ القيس الأطفال كانت لا تزال بصورتها تمامًا في دِسْيَا حتى سبعينيات القرن الماضي؛ فإذا عَلمنَا أن امرأ القيس كان حضرميًّا من أقصى جنوب شبه الجزيرة العربية، وأن دِسْيَا في أقصى شمال القارة الأفريقية، وبينهما أكثر من ألف وخمسمئة عام، أفلا يدلُّ هذا على أن تلك الأمة نسيج واحد حتى من قبل الإسلام..؟!
وليس من المعقول أن يكون المسلمون الفاتحون قد جاءوا بتلك التمائم، فلم تكن من اقتناعات الثقافة الإسلامية آنذاك، لقد جاء المسلمون بمحتوى مختلف، ولم يأتوا بالتمائم ذاتها، وربما تغير محتواها على مدار القرون، فكانت تحمل تعاويذ فرعونية، ثم تراتيل كنسية، ثم آيات قرآنية، ولكن الفكرة تنتمي إلى ثقافة واحدة.
كانت لتلك العادات والممارسات نتائج جد إيجابية، ولعلَّ ذلك من أثر الاستعداد النفسي للعلاج، ولا أنسى حين أقبلت سيدة من قرية مجاورة بهديَّة سَخِيَّة لأحد أبناء دسيا من حاملي القرآن الكريم، وهي تشكره لأن حجابه فكَّ عقدة ابنتها، فتزوَّجَت في الشهر ذاته بعد أن كاد يفوتها قطار الزواج.
كان أخي حاضرًا عنده، فقال له مبتسمًا: جائتني منذ شهر، وألحَّت عليَّ أن أكتب لها شيئا ليفك عقدة ابنتها، فنصحتها بأن ذلك وَهْمٌ والأقدار بيد الله، فتوسَّلَتْ وكادت تُقَبِّل قدمي، فأحضرتُ ورقة وكتبت بقلم أحمر وبحروف مفردة [ما تتجوز ولَّا إن شاالله ما اتجوزت أنا حا أعمل لها إيه] وكررتها ملء الورقة، وطلبت منها أن تذوِّبها في ماء وتغتسل به، وطَبْعًا رفضتُ أن آخذ منها شيئا...
كل هذه الطقوس والعادات قد انقرضت، ولا أظنها قائمة إلى اليوم، وهي معلومات للتاريخ، إلا معلومة واحدة، قالها لي جدي، لم أقرأها في كتاب، وأظنها عين الصواب.
قال لي جدي عبد البر بن عبد السلام بن جمعة بن رُحَيِّم بن كُرَيِّم بن سِعِيد القطعاني... عن آبائه: إن العرب هم الذين اكتشفوا الشاي، وليست أمَّةٌ أخرى، وكان سبب ذلك أن عَرَبِيًّا اشتكى وجعًا في بطنه، فأخذ أبناؤه أوراق نبات ارتجالا وقاموا بِغَلْيِهَا، ثم سقوه من شرابها، فزال الوجع، فقال الرجل مشيرا لأوراق ذلك النبات: هذا (شَيْءٌ) فيه شفاء. فَسُمِّيَ (شيئًا) ثم صارت الكلمة بالتطور (شاي).
وهذا الذي ذكره جدي خلاف ما هو مذكور في جميع ما رجعت إليه من مصادر ودوائر معارف تنسب التسمية إلى كلمة صينية CHA وتُنْطَق (تشا)، والحقيقة بناء على ما رواه جدي عن آبائه أن تلك الكلمة الصينية هي المأخوذة من (شيء) العربية لا العكس، والعهدة على الراوي من قلب دِسيا
هؤلاء الأبناء الذين عَمُّهُم خَالُهم تكون لهم قدرة روحية على علاج الملووح والمجذوع والمفكوك من العظام، بمجرد تدليك مكان الإصابة تعود العظام إلى محلها، فكان يُقَال: (فلان في إيده الرَدَّة) أي إن يده تَرُدُّ العظام إلى محلها.
وقد أنعم الله على قريتي الطيبة بأسرة طيبة، فيها رجال ونساء عَمُّهُم خَالُهُم، فكان المصابون من الرجال يلجأون لرجالها، والمصابات من النساء تلجأن لنسائها... وربك كريم وهو الشافي المعافي.
هكذا كان يَعْتَقِدُ أهلُ قريتي، وأظن أن هذه الثقافة منحدرة من العهد الفرعوني، فلم أجد لها أثرًا في ثقافة حديثة، فكان إذا وقع إنسان على يده أو قدمه فانجزعت، قيل له: (شوف لك حد يكون عَمُّه خالَهُ يدلكها لك).
أشياء كثيرة كان يعتمد عليها الناس بعد الله تعالى في الشفاء، ومنها ذلك الإناء النحاسي الصغير، ويطلق عليه (طاسة الطَّرْبَة) أظنُّ أنه كان منقوشا بتعاويذ معينة، فإذا أصيب أحد بحالة من الرعب نتيجة (خَضَّة مَا) وما أكثرها في ذلك الحين نظرا لحلكة الظلام وكثرة الأشباح، فتجد المخضوض قد اصفرَّ وجهه وهربت منه الدماء، وزاغت عيناه، واسترخت يداه، أتوا بتلك الطاسة فوضعوا بها ماء وحلوه بالسكر، ثم دعكوه في الطاسة بملعقة، ويظل بها مدة محددة ثم يشربه المرعوب فيزول ما به من أثر الرعب.
أما (المِشَاهرة) فكان أمْرُهَا عجيبًا حقًّا، أربعة عشر حجرا صغيرا، تتفاوت أحجامها بين العملة المعدنية وقرص الطعمية الصغير، وهي غير منتظمة، وكلها يبدو حقا أنها أحجار كريمة، مختلفة الأحجام والأشكال والألوان، وقد ثُقِبَتْ من منتصفها بعناية، ولُضِمت في خيط، كانت لهذه الأحجار قدرة على حل مشاكل السيدة المَكْبُوسَة، فماذا تعني (مكبوسة)..؟!
- إذا كان لدينا عروس، ثم جاءت عروس أخرى لم يمر على زواجها سوى أسبوع واحد لزيارتها فدخلت عليها يتم (كبسها) والأحوط أن تنتظر العروس القديمة لتدخل عليها الجديدة.
- إذا كانت لدينا سيدة والدة، ودخل عليها أحد من أهلها بعدما حلق ذقنه مباشرة يتم (كبسها).
- وهناك حالات أخرى...
السيدة المكبوسة قد ينقطع لبنها عن طفلها الرضيع، وقد يتأخر إنجابها إلى حين، فكانت تضع تلك (المشاهرة) في إناء به ماء، وتمر من فوقه سبع مرات وهي تقرأ بعض الآيات، ثم تغتسل بهذا الماء، بين الأذان والإقامة يوم الجمعة، فيأذن الله تعالى بالشفاء، وتنفك (الكَبْسَة).
كانت أمي –رحمها الله- قد ورثت هذه المشاهرة عن أمها التي ورثتها عن أمها، ولا يعلم سوى الله –تعالى- من أي العصور انحدرت ولا من أي الأماكن استُجْلبت، ولكن أمي كانت تعتقد أنها أُحْضِرَت من أماكن مقدَّسَة، وكانت الحجارة بالفعل غريبة. كانت أمي تهتم بها أيما اهتمام عملا بوصية أمها التي منحتها إياها قبل أن تموت مباشرة، وأوصتها بأمرين؛ الأوّل: ألا تمنعها عن أحد. والآخر: أن يكون ذلك لوجه الله تعالى. ولكم اعترضتُ على تلك المشاهرة في طفولتي:
- يا امَّه ارمي البتاعة دي ملهاش لازمة.
- يا ابني ربنا بيفك بيها كرب ناس كتير عايز تمنعها ليه بس؛ حرام عليك..؟!
عديد من العادات كانت لا تزال قائمة في دِسْيَا حتى عقد السبعينيات ثم اختفت، وأظن أن تلك العادات كانت قائمة لأكثر من ألف عام لم تتغير ولم تتبدَّل، وكأن السبعينيات ورِدْحًا من الثمانينيات مرحلة فاصلة في تاريخ الزمان، ومحور مهم تم تغيير وجه الحياة عنده تمامًا، وكأنَّ كتابا يتألف من آلاف الصفحات ظلت يد الزمان تتصفحه حتى إذا وصلتْ إلى تلك الفترة طويت غلافه الأخير ليبدأ عهد جديد.
لماذ أكثر من ألف عام..؟!
إذا رأيت صبيًّا في دسيا في السبعينيات إلى سن عامين، فانظر إلى ظهره، ستجد حقائب صغيرة في حجم راحة اليد قد علُّقت بعناية، قد تكون واحدة أو اثنتين وأحيانا ثلاثة، وهي مَخِيطَة على محتواها حتى لا يسقط منها، واتخذت مكانها على ظهر الطفل دون بطنه حتى لا يعبث بها، وتظل في مأمن من شرابه وطعامه، ما غيرت أمه ملابسه إلا حرصت كل الحرص على تعليق تلك الحقائب في مكانها لا تتخلف عنه.
إنها ليست حقائب وإنما حُجُبٌ (جمع حِجَاب) كما كانت تُسمَّى، وإنْ شئت فقل إنها تمائم (جمع تميمة) لتحفظه من الشرور... كانت تلك التمائم منتشرة بل أساسية أحيانًا في ذلك الزمن. وقد ذكرها امرؤ القيس من أكثر من ألف وخمسمئة عام في معلقته الشهيرة: (فَمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ ** فَألْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْوَلِ) و(ذو تمائم) كناية عن الطفل الذي عُلِّقَت في ظهره تلك التمائم، و(مُحْوَل) أي مرَّ عليه الحول، فَسِنُّه عامٌ أو أكثر قليلا. يقول امرؤ القيس لفتاته التي تدلَّلَت عليه مفاخرًا بحب النساء له: إنه دخل على سيدات في جمالها بعضهن حُبْلَى وبعضهن مرضع فأقبلت عليه لاهية عن ابنها الرضيع الذي مرَّ عليه عام واحد وقد عُلِّقَتْ عليه تمائم.
تلك الحال التي وصف بها امرأ القيس الأطفال كانت لا تزال بصورتها تمامًا في دِسْيَا حتى سبعينيات القرن الماضي؛ فإذا عَلمنَا أن امرأ القيس كان حضرميًّا من أقصى جنوب شبه الجزيرة العربية، وأن دِسْيَا في أقصى شمال القارة الأفريقية، وبينهما أكثر من ألف وخمسمئة عام، أفلا يدلُّ هذا على أن تلك الأمة نسيج واحد حتى من قبل الإسلام..؟!
وليس من المعقول أن يكون المسلمون الفاتحون قد جاءوا بتلك التمائم، فلم تكن من اقتناعات الثقافة الإسلامية آنذاك، لقد جاء المسلمون بمحتوى مختلف، ولم يأتوا بالتمائم ذاتها، وربما تغير محتواها على مدار القرون، فكانت تحمل تعاويذ فرعونية، ثم تراتيل كنسية، ثم آيات قرآنية، ولكن الفكرة تنتمي إلى ثقافة واحدة.
كانت لتلك العادات والممارسات نتائج جد إيجابية، ولعلَّ ذلك من أثر الاستعداد النفسي للعلاج، ولا أنسى حين أقبلت سيدة من قرية مجاورة بهديَّة سَخِيَّة لأحد أبناء دسيا من حاملي القرآن الكريم، وهي تشكره لأن حجابه فكَّ عقدة ابنتها، فتزوَّجَت في الشهر ذاته بعد أن كاد يفوتها قطار الزواج.
كان أخي حاضرًا عنده، فقال له مبتسمًا: جائتني منذ شهر، وألحَّت عليَّ أن أكتب لها شيئا ليفك عقدة ابنتها، فنصحتها بأن ذلك وَهْمٌ والأقدار بيد الله، فتوسَّلَتْ وكادت تُقَبِّل قدمي، فأحضرتُ ورقة وكتبت بقلم أحمر وبحروف مفردة [ما تتجوز ولَّا إن شاالله ما اتجوزت أنا حا أعمل لها إيه] وكررتها ملء الورقة، وطلبت منها أن تذوِّبها في ماء وتغتسل به، وطَبْعًا رفضتُ أن آخذ منها شيئا...
كل هذه الطقوس والعادات قد انقرضت، ولا أظنها قائمة إلى اليوم، وهي معلومات للتاريخ، إلا معلومة واحدة، قالها لي جدي، لم أقرأها في كتاب، وأظنها عين الصواب.
قال لي جدي عبد البر بن عبد السلام بن جمعة بن رُحَيِّم بن كُرَيِّم بن سِعِيد القطعاني... عن آبائه: إن العرب هم الذين اكتشفوا الشاي، وليست أمَّةٌ أخرى، وكان سبب ذلك أن عَرَبِيًّا اشتكى وجعًا في بطنه، فأخذ أبناؤه أوراق نبات ارتجالا وقاموا بِغَلْيِهَا، ثم سقوه من شرابها، فزال الوجع، فقال الرجل مشيرا لأوراق ذلك النبات: هذا (شَيْءٌ) فيه شفاء. فَسُمِّيَ (شيئًا) ثم صارت الكلمة بالتطور (شاي).
وهذا الذي ذكره جدي خلاف ما هو مذكور في جميع ما رجعت إليه من مصادر ودوائر معارف تنسب التسمية إلى كلمة صينية CHA وتُنْطَق (تشا)، والحقيقة بناء على ما رواه جدي عن آبائه أن تلك الكلمة الصينية هي المأخوذة من (شيء) العربية لا العكس، والعهدة على الراوي من قلب دِسيا