خزانة الأديب :
الشاعر الكبير إيهاب عبد السلام
الحلقة (37) من قلب قرية دسيا
من حُسْنِ حظي أنه تم رصف الطريق الموصل من المحمودية إلى دِسْيَا عام 1981، وهو العام الذي دخلت فيه الصف الأول الإعدادي، وصار عليَّ أن أذهب إلى المحمودية يوميًّا، وكان الذهاب قبل الرصف بشق الأنفس، مشيًا على الأقدام أو باستخدام مواصلات بدائية كالمطايا من الحمير أو العربات الكارو، أو الكارتة الوحيدة في المنطقة كلها وكان يجرها حصان.
برصف ذلك الطريق حوَّلت العديد من السيارات مسارها إلى (المحمودية-دسيا) وبعض الناس اشترى سيارات لهذا الهدف، فتيسرت المواصلات السريعة والمريحة مع بداية العام الأول لي في الدراسة الإعدادية.
وذات عام من الثمانينيات كنت التلميذ الوحيد في السيارة، وركب بعض الرجال من القرى والعِزَب على جانبي الطريق، وكان من عادتهم الحديث طول الطريق، وكأن الصمت في المواصلات مكروه عندهم، فانتقد أحدهما تكالب الناس على السفر إلى العراق آنذاك.
وفجأة سأل أحدهم المنتقد سؤالا يبدو أنه كان يعرف إجابته:
- بقولك إيه يا حاج فلان، الجلابية اللي عليك دي منين..؟
- فقال: ابني بعتهالي من العراق.
وإذا بكل راكب في السيارة يذكر شيئا من ملابسه أُهْدِيَ إليه من أحد أقاربه القادمين من العراق، أو استجلبه بنفسه...
لم أشارك في الحوار، فقد كنت الصغير الوحيد بينهم، وأتذكر أن (السويتر) الذي كنت أرتديه كان عمي فكيه قد أرسله مع أحد القادمين من العراق، لم يبق إلا سائق السيارة، فإذا به يختم الموضوع فقال: (وأنا اشتغلت 3 سنين في العراق ورجعت اشتريت العربية اللي أنتم راكبنها دي).
لقد كان الحوار حول انتقاد السفر إلى العراق بين المزايا والعيوب، وكان يمكن أن يستمر بسفسطة وجدل بيزنطي لا ينتهي، كيف حسمه هذا السؤال المفاجئ بهذه السرعة، وكأن السائل قد امتلك جميع الحجج المؤيدة له فقال موجهًا كلامه لمن بدأ الانتقاد: (شوف يا فلان عشان نقبل إننا نناقشك في الموضوع ده لازم تخلع جلابيتك، ولو الهدوم الداخلية كمان من العراق يبقى تخلعها، وتناقشنا وحضرتك بلبوص عشان يبقى الكلام منطقي... ههههههه).
سامح الله الخيال الذي جعلني أتخيل هذا المسكين وهو واقف خارج السيارة عريان في هذا البرد والمطر لكي يُسْمَحُ له بالكلام، ويكون هذا هو المنطق والعدل؟! أليس السكوت أفضل، بل أستر؟ ظللت أدافع تمادي الخيال والضحك معًا حتى نزل الرجل بملابسه عند إحدى العِزَب على الطريق، بعدها ضحكت براحتي.
يا الله ما هذا المنطق البديع..؟ وكيف تكون الحجة عملية وقاطعة إلى هذا الحد..؟ وكيف يكون الجواب مُسْكِتًا، بل كاتمًا، بل مُفَجِّرًا للضحك ومقنعًا في آنٍ واحد؟! هذا ما دار في ذهني آنذاك، لقَد تعلمت من هؤلاء البسطاء الكثير والكثير وهم لا يشعرون.
من نهاية السبعينيات، وعقد الثمانينيات كاملا، شهدت هذه الفترة حضورًا طاغيًا للمصريين في العراق، وعلى الرغم من أن دِسْيَا كانت من أقل البلاد تأثرًا بهذه الظاهرة، فقد سافر العديد من شبابها ورجالها، ولم يخلُ شهر من إنسان قادم أو مسافر من وإلى العراق، فكان يحمل معه الرسائل ذاهبا، والرسائل والهدايا آيبا، وانتشرت في القرى أجهزة التسجيل (الكاسيت) وكانت أشهر ما يستجلبه المسافرون معهم، وابتدع الناس الرسائل الصوتية بجانب الرسائل الورقية، فكانوا كلما سافر أحد أبناء القرية إلى العراق، اجتمعت كُلُّ أسرة لها ابنٌ هناك حول جهاز تسجيل، تُسَجِّلُ له شريطًا، فيتكلم كل فرد من أفرادها كبيرًا كان أو صغيرًا يبثه أشواقه ووصاياه، ويحكي له تفاصيل ما دار في غيابه، وربما يستشيره في بعض أمور الحياة، وينتظر ردَّهُ. ولو احتفظ أهل القرى بهذه الأشرطة لنقلت صورة صادقة عن أحوال القرية المصرية في ذلك الحين.
كان المسافر يمكث من عامين إلى ثلاثة ويعود، وقد يعاود السفر ذهابًا وإيابًا كأنه يتردد إلى إحدى محافظات مصر، رحلات سالمة غانمة، وكما إن لكل قاعدة غالبا استثناءات فقد اسْتُثْنِيَتْ من هذه الظاهرة حالة في قريتنا؛ حيث عاد شاكر بعد شهر واحد فقط ولم يُوَفَّقْ في العمل في العراق، وكأنَّه لم يألَفِ الغُرْبَة ولم تألَفْه، ولعل الذي شجعه على اتخاذ القرار بالعودة أنه لم يكن عاطلا فلديه أرضٌ يزرعها وهي أحوج إلى سواعده، ولكنها عدوى السفر وثقافة المرحلة.
وذات سهرٍ بينما اجتمع بعض الشباب والرجال مع خالي أحمد الرامخ، يتسامرون في ليلة صيفية، أراد شاكرٌ أن يغمِزَه بكلمة ليستمتع الجميع بتعليقاته الساخرة، وكانت أسرة خالي أحمد قد بَنَتْ ماكينة لتبييض الأرز، فقال شاكر: موجهًا كلامه لخالي أحمد: (على حظِّكُم اخترعوا ماكينات تضمّ وتدرس وكمان بتبيَّض الرزّ في الغيط؛ يعني مشروعكم ماعدش له لزمة).
فرد خالي أحمد بتلقائية متهكما: لا وأنت الصادق دي كمان بتطبخه في برايم، تاخد البرايم معاك الغيط وترجع بيها مطبوخة.
ثم سكت خالي أحمد برهة وقال:
- فلان سافر العراق ورجع اشترى فدان أرض.
- وفلان سافر العراق ورجع بنى بيته.
- وفلان سافر العراق ورجع اتجوّز.
وأخذ يعدد بعض الحالات الكثيرة الموفقة في القرية... فَطِنَ الجميع إلى ما يقصده خالي أحمد، وسكتوا في انتظار ما سيقوله، إلى أن قال: وشاكر سافر العراق ورجع...
- إيه يا خالي أحمد عمل إيه؟
- راح جاب التموين من البقال...
عرفت فيما بعد أن السفر إلى العراق كان أكثر اتساعًا في قرى صعيد مصر، فأخبرني صديق من أبناء تلك القرى، أن بعض القرى كانت قد سافر جميع شبابها ورجالها دون استثناء إلى العراق، حتى لم يبق في قرى كاملة سوى النساء والأطفال وكبار السن، فكانت تلك القرى تستبقي رَجُلَيْنِ فيها يمتنعان عن السفر، ويُخَصِّصُ المسافرون لهما راتبًا مجزيًا يعادل ما كانا سيحققانه لو سافرَا؛ حتى يرعيَا أهل القرية كلها فيكونا في خدمتهم وحمايتهم، طفل مريض، أو شيخ مسن تعرض لإغماء، أو أي شيء من هذا... يجريان به إلى الأطباء والمستشفيات، فلا تُهَان نساؤهم في التعامل مع تلك الجهات. حتى إذا مات أحدهم وَجدَ من يجهزه ويصلي عليه ويدفنه.
وانتشرت في ذلك الحين الحكايات المبكية والحكايات المضحكة، التي تسجل ذاكرة تلك الفترة، فمن الحكايات أن أحد أبناء الصعيد عادَ ليلا إلى قريته بعد سنوات، وطرق باب بيته، ففتحت زوجته، ولم يوقظ أبويه، وشعر أبوه المسن بحركة في حجرة ابنه، وسمع صوتًا، فحمل سلاحه، وفتح باب الحجرة فجأة، وأطلق النار على ابنه وزوجته في الحال قبل أن يتحقق من شخصيته.
ومن الحكايات المُضْحِكَة أن أسرة أرسلت لابنها الذي كان قد أرسل لها مروحة مع أحد الوافدين من العراق، فكتَبَتْ له في الرسالة: (المروحة اللي أنت بعتها زِينَة قَوِي، ودَايرة تِتْلَفَّتْ يمين وشمال بِتْدَوَّر عليك يا ولدي).
-----------