خزانة الأديب :
الشاعر الكبير إيهاب عبد السلام
الحلقة (33) من قلب قرية دسيا
لم أجد حرجًا في أن أكتب عن أبي، ولا حرجًا في أن أكتب عن أمي، وكتبت عن جدي دون أي حرج رحمهم الله جميعًا.. إلا هي... هي فقط. أجدني مشفقا على نفسي أمام الكتابة عنها. أظن أنني سأكتب كثيرا وأعود فأمحو أكثر ما كتبت، فأية حروف وأية كلمات تلك التي يمكن أن تفيها حقها وحقها جدُّ كبير..!؟ ثم هل هي تسمح بالكتابة عنها أصلا أم أن تلك جرأة مني ومغامرة غير محسوبة؟!
لا أظن أنها أخذت من الدنيا أي شيء، حتى الطعام، كان من عادة أسرتنا أن توضع الطبلية ويكتمل فوقها الطعام، ولا نبدأ حتى تجتمع الأسرة كلها، ونظل ننادي عليها، وهي مشغولة بعبادتها من صلاة أو أي عمل من أعمال البيت، ولا تنضم إلى الطعام إلا إشفاقًا علينا، وقد نضطر للأكل دونها، فتكون آخر الآكلين وأول الشابعين.
لم تأخذ من الدنيا شيئا، أيَّ شيء، وعاشت لتعطي كل شيء، تعطي فقط ولا تأخذ أبدًا..!! حتى الزواج لم تتزوَّج، وكيف لهذا الكائن النوراني أن يقترن بطين مخطئ..؟!
ألزمت نفسها بعدَّة مسؤوليات لم يكلِّفْها أحدٌ بها، فمنها إيقاظنا أنا وأخوتي للمدرسة صباحًا، وإعداد الفطور والزي المدرسي، وتوديعنا على الباب. كانت تلك مسؤليتها وحدها فقط لا غير معنا جميعًا، أخذتها من أمي كاملة حتى أتممنا جميع المراحل الدراسية، فإذا عدنا من المدرسة حرصت على أن نحكي لها ما كان في يومنا، وما أخذناه خاصة في المرحلة الابتدائية، وأحيانا كانت تحرص على أن نحضر كتاب القراءة، أو قصة عقلة الأصبع ونقرأ لها وهي تشاهد الرسومات وتتابع الموضوع باهتمام كأنها ستمتحن فيه، فإذا خلدنا إلى النوم حكت لنا (حدوتة) ننام عليها.
وكانت سفيرة بيتنا إلى مَرْكَزَيّ المحمودية ودسوق، مسؤولة عن شراء كل ما يحتاجه المنزل، وظلَّت تحمل تلك المسؤولية عن حُبٍّ ورضًا لا يشاركها فيها أحد لسنوات طوال... حياتها عبارة عن صلاة وصيام وخدمة أسرتها على الدوام.
عاشت نقيَّةَ القلب لم تحمل حقدًا لإنسان قط، تشعر أنها ليست من أهل الأرض، لا أظن أنها ندمت على شيء فعلته أو شيء لم تفعله إلا أمرًا واحدًا قالته لي يومًا:
- حاجة واحدة أنا ندمانة عليها مش عارفة عَدَّتْنِي إزاي!
- إيه يا عمتي؟
- أنا ليه ما أتعلمتش القراية وكل بيتنا كان بيقرا وسهل إني أتعلم؟!
- لو عايزة تتعلمي أعلمك يا عمة آمنة.
- كان المفروض أتعلمها من صغري لكن دلوقت ما لهاش لزمة.
ولكنني أعتقد أن الله –تعالى- اختار لها نقاءها، فلم تنشغل إلا بما هو مفيد من عبادة روحية، أو عملية، حتى إنها لم تكن تعلم عن نفسها شيئًا، وربما لو قرأتْ لتلوثت...
في إحدى سفرياتها إلى دسوق التي تبعد عن قريتنا حوالي سبعة كيلو مترات لشراء حاجات البيت، كانت من عادتها أن تشتري بكل ما معها من نقود ولا تُبْقِي معها من النقود سوى أجرة الحافلة التي ستمر على طريق دسيا، وكانت الأجرة (نص أفرنك) يعني قِرْشَيْن. وذات يوم بينما ركبت الحافلة، واتخذت مقعدها، إذا بإحدى سيدات القرية تطلب منها المساعدة:
- ممعكيش نص أفرنك يا آمنة تدفعيلي الأجرة لأني خلصت فلوسي..؟
ودون أن تتردد ولا أن تفكر في أية عواقب قالت لها مبتسمة مبشرة ومستبشرة:
- معايا يا اختي اقعدي جنبي.
قلت مقاطِعًا وعمتي تحكي هذا الموقف: إزاي تقولي معايا وأنت ممعكيش غير أجرتك يا عمتي..؟
- مَاهُو ما ينفعش أقول لحد لأ.. وقلت أكيد ربنا حا يحلها من عنده.
- طيب وبعدين عملتِ إيه..؟
أكملت عمتي آمنة:
- كان الأوتوبيس لِسَه بِيحمِّل وكنت جنب الشباك، ببصّ من الشباك والستّ قاعدة جنبي، لقيت أبويا واقف تحت الشباك، قلت له هات نص أفرنك يا با، إداني نص أفرنك ومشى من غير ما يتكلم، قلت الحمد لله ودفعت لها معايا.
المدهش أن عمتي آمنة كانت تحكي هذا ولا يعنيها مطلقًا غير أنها وجدت أباها مصادفة فانحلَّت المشكلة، ولم تخذل جارتها، ولم يلفت نظرها أنها عندما عادت إلى البيت كان جدي جالسًا في مكانه المعتاد في خُصٍّ خلف منزلنا، لم تتساءل كيف ولا متى عاد من دسوق، ولم يخطر ببالها أن تسأل هل ذهب جدي إلى دسوق في هذا اليوم أصلا..؟!
بعد أن كبرنا جميعًا وأنهينا التعليم، وتزوَّجْنَا، وصارت مشتريات البيت أكثر من أن تتحمَّلَها، كما إن صحتها لم تعد تساعدها، وحان الآوان الذي قد تأخذ فيه أكثر مما تعطي، شعرت عمتي أن رسالتها في الحياة الدنيا قد انتهت، فما خُلِقتْ إلا لِتُعْطِي فقط، فاتخذت قرارها بنفسها، حتى لا تمنحنا الفرصة بأن نردَّ شيئًا لها.
بينما كانت تصلِّي العشاء جماعة خلف ابنة أختها فوق منزلها، وكانت جارتنا، قالت لها:
- أنا حاسَّة إن رسالتي في الحياة انتهت، هُوَّ يِنْفَع إني أطلب الموت من ربنا..؟
- لا يا خالتي حرام ما ينفعش.
- طَيِّب اللي مشتاق لربه وعايز يقابله يعمل إيه؟
- الدعاء المأثور يا خالتي إنه يقول: (اللهم أحيني ما كانت الحياةُ خيرًا لي، وتوفَّنِي إذا كانت الوفاة خيرًا لي).
- طيِّبْ قوليه بِرَّاحَة عشان أقوله وراكي.
أعادته ابنة أختها، ورددته عمتي وراءها، وكأنَّ السماء قالت لها: لَبَّيْكِ يا آمنة...
ثلاثة أيَّام فقط ريثما أعَدَّت السماء لاستقبالها.