الشاعر الدكتور إيهاب عبد السلام يكتب : من قلب دسيا (15)

خزانة الأديب : الحلقة (15) من حكايات الشاعر الدكتور إيهاب عبد السلام (من قلب دسيا) :



كانت لمنزلنا مندرة لها بابان، باب على البراندة يدخل منه الضيوف، وباب على صالة البيت يُدْخَل منه واجب الضيافة، وكانت تلك صفة بيوت القرى الحديثة آنذاك، وكان أخي عبد البديع قد جعل من تلك المندرة متحفًّا فنيًّا، فرسم على الحائط الشرقي بجانب الباب الداخلي صورة للقائد عبد المنعم رياض، وعلى الحائط البحري عن اليمين صورة الزعيم جمال عبد الناصر، وعن اليسار الزعيم محمد أنور السادات، كانت الصور لكل منهم بحجمه الحقيقي، وفي هيئته العسكرية كاملة من الكاب إلى الحذاء، وبنظرة شامخة متطلعة، ولا أدري كيف رسم أخي هذه الصور بهذا الإتقان كأنه رسام محترف، ولعَلَّهُ الحب الصادق لهؤلاء القادة في ذلك الحين. كان من يقعد في المندرة يظل يُنَقِّل بصره بين الصور الثلاثة وكأنه يقرأ الوطن متمثلا فيهم.
وبين هذه الرسوم وعلى الجدارين الآخرين العديد من اللوحات الفنية التي صنعها أخي من أعواد القمح، لا أدري تحديدًا من أين أتى بهذه الفكرة، وممن اكتسب هذه المهارة، فلم أرَ مثلها في مكان سوى بيتنا... فماذا كان يصنع..؟
لأعواد القمح في موسم الحصاد بريق كالذهب، وهي خفيفة مجوَّفة، فكان يأتي بكمية منها قبل أن تُدْرَس فتتحول إلى تبن، فيشق تلك الأعواد طوليًّا ويفردها، ثم يرسم على ورقة كبيرة ما يشاء من صور أو عبارات بخط الثُّلُث، ويضع كربونة مقلوبة تحت الورقة، فينطبع الرسم من الجهتين، ثم يبدأ لصق أعواد القمح متراصة على الصورة، واللاصق الذي يستعمله لم يكن غير دقيق وماء، تمَّ تقليبه على النار حتى تماسك، بعد لصق أعواد القمح تصبح الصورة مساحة من الذهب المضُلَّع، ثم يتركها مضغوطة حتى يجف اللصق تمامًا، ومن خلال صورة الرسم المطبوعة على ظهر الورقة يقوم بقصها، ثم على كرتونة أو خشبة أبلاكاش مشدود عليها قطعة قماش سوداء يقوم بلصق ما تم قصُّه بعناية... يا لها من لوحة من خامات طبيعية، لا ينطفئ بريقها أبدًا.
إن الذي لم يرَ حقل القمح قبل الحصاد بعيدانه وسنابله بشعرها الأصفر في لون الذهب الخالص لا يمكن له أن يتمثل بيت نزار قباني في حبيبته الأندلسية:
سَارَتْ مَعِي وَالشَّعْرُ يَلْهَثُ خَلْفَهَا ** كَسَنَابِلٍ تُرِكَتْ بِغَيْرِ حَصَادِ
كانت حوائط مندرتنا مليئة بتلك اللوحات البديعة، التي صُنِعَت على عيني، وربما شاركت في صنع بعضها، ولا أزال أتذكر تفاصيلها.
وذات يوم وأنا في المرحلة الابتدائية أردت أن أصنع واحدة بنفسي، فاخترت الآية الكريمة: "وَمَا مِنْ دَابَةٍ في الأرْضِ إلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا" ثم اجتهدت في كتابتها بخط عريض، وصنعت العجين الساخن، وبذلت جهدًا ووقتا في لصق عيدان القمح الذهبية بعناية، ولم أفعل ما يفعله أخي بأن يتركها يوما أو أكثر مضغوطة تحت الكتب لتجف، ولكنني تعجلت جفافها، لأرى نتيجة صنعتي، فوضعتها على سور البراندة مُعَرَّضَةً للشمس، وكأنني أقول لها: (يللا انشفي بقى..!)..
وما إن التفت عنها لتجهيز اللوحة التي سألصقها عليها بعد قصها، إلا وتحققت الآية في دابة من دوابِّ الأرض كانت لوحتي رزقَهَا؛ لقد سبقتني إليها (مِعْزَةُ) الجيران فلم ترَ فيها غير أعواد قمح وورق وعجين صار خبزًا، فأكلتها كلها.
-----------------
ولعل للحديث بقية...

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Smartwatch

Random Products