الشاعر الدكتور إيهاب عبد السلام يكتب : من قلب دسيا (11)

خزانة الأديب : الحلقة (11) من حكايات الشاعر الدكتور إيهاب عبد السلام (من قلب دسيا) :


لو عاش في قريتنا في ذلك العهد كثير من الكتاب الذين أرهقوا الصفحات بالكتابة عن تحرير المرأة، وعملها ومساواتها بالرجال، وما يتعلق بذلك من قضايا، لأراحوا واستراحوا، ولأدركوا أن واقع البشر وظروفهم واحتياجاتهم هو فقط ما يحدد منحى سلوكهم، فكم من سيدة احتجبت في بيتها وكان حجابها خيرا لها ولأسرتها، وكم من سيدة خرجت وكافحت ونافحت ولم يكن لذلك بديل.
لا أنسى أبدًا إحدى سيدات قريتنا، كانت تخص أمي بأسرارها، توفي زوجها وترك أربعة أطفال صغار، وكان زوجها مزارعًا، فلم تستسلم للأحزان، ولم توافق على أن تُدخل على أبنائها زَوْجَ أمّ؛ فقامت بما كان يقوم به زوجها بالتمام؛ سحبت مواشيها إلى حقلها، وحملت فأسها وفلَحَتْ أرضها بيدها لتربي أطفالها، تغافلت تمامًا عن كونها امرأة، وقامت بما يقوم به الرجال من أعمال شاقة، وفي ذلك الحين لم تكن القرى نَعِمت بضياء الكهرباء، وكان على تلك السيدة أن تذهب إلى حقلها في عتمة الليل المظلم لتدرك دورها في ريِّ حقلها.
كان عليها أن تجهز الساقية، وتربط بها الثور الذي يجرها، وتحمل (الناف) الذي يوضع على رقبة الثور، وغير ذلك من مهام صعبة.
لم تقم بذلك مَرَّة أو مرَّتَين، بل كانت حياتها حلقات متواصلة من ذلك المسلسل المرهق... كل هذا لا يثير الدهشة، وهو أمر كانت تفعله العديد من السيدات في قرانا في ذلك الزمان؛ وإنما ما أدهشني حقًّا ولمَّا يزل.. ذلك التصرف العجيب الذي لجأت إليه ليحميها من ذئب بشري أراد بها سوءًا في ليلة من تلك الليالي المظلمة وهي وحيدة في حقلها. وقد أحسَّت بقدومه من جوف الظلام؛ أوحى بذلك إليها سعْلةٌ منه سرت عبر سكون الليل... فعمدت إلى جوال معها وعبَّأتْه بالقش، ووضعته بجوارها وغطته ببطانية.
وأقبل الذئب، وهو يعلم وحدتها بعد ترملها، واضطرارها للخروج وحدها في تلك الليلة لريِّ زرعها، توقف أمامها وليس سوى ضوء النجوم، وسألها بعد أن حدجها بعينيه سؤالًا معروفًا ما بعده:
- أنت طبعا لوحدك...؟
فردت بكل ثقة وهي تشير إلى جوال القش المُغَطَّى: لا يا أخويا.. معايا (فلان) أهو نايم أهه.. أصحيهولك؟ وذكرت أحد أقاربها من الرجال الأشداء.
فقال وقد صدمته المفاجأة: لا لا مفيش داعي... ومضى إلى حال سبيله.
لا أزال أتذكر –وأنا ابن سبع سنوات لا أكاد أفارق أمي- سؤال أمي لها بعد أن حكت هذا الموقف: اتصرفت كده لوحدكِ يا اختي...؟
فردت بتلقائية: والله يا أم بديع ما كان معايا غير (أبو خيمة زرقا) وهو اللي ألهمني وخلاني أحمي نفسي.
وأعترف أنني في تلك السن لم أدرك ما تعنيه بـ (أبو خيمة زرقاء)، وبعد سنوات عديدة، عندما درست شيئا من البلاغة، وعرفت الكناية، أدركت أن تلك السيدة العظيمة كانت تُكَنِّي بذلك عن الله رب العالمين في عليائه وسمائه التي تبدو لها كالخيمة الزرقاء...
----------------
ولعل للحديث بقية

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Smartwatch

Random Products