الشاعر الدكتور إيهاب عبد السلام يكتب : من قلب دسيا (20)

خزانة الأديب : الحلقة (20) من حكايات الشاعر الدكتور إيهاب عبد السلام (من قلب دسيا) :

 ثلاثة مساكين: أنا، وقريتي، وروايات نجيب محفوظ؛ أما أنا فمسكين لأنني لم أنعم بالعيشِ في قريتي واعيًا سوى أقل من عشر سنوات؛ من الصف الثالث الابتدائي إلى الثالث الثانوي، ثم انتقلت إلى القاهرة حيث الإسفلت ومشاعر الإسمنت. وأمَّا قريتي فمسكينة لأنها لم يعش فيها نجيب محفوظ. وأما روايات نجيب محفوظ فمسكينة لأنها لم تحظَ -رغم ثرائها- بشخصيات أهل قريتي؛ فقد كان من بينهم العجب العجاب.
رغم مرور أكثر من 30 عامًا على وفاته لا يزال يذكره كل من عاصره، ولا يزال يذكر كلماته الساخرة وأخباره العجيبة، إنه خال والدي (أحمد الرامخ) عليه رحمة الله، وقد أدركتُه لبضع سنوات وكنت أناديه بخالي.
لم يدرك في شبابه أي صورة من صور المدنية التي أدركناها، لا طُرُقًا معبَّدَة، ولا اتصالات من أي نوع سوى الخطابات، ولم يكن يعرف القراءة والكتابة، وعندما تم رصف الطريق الرابط بين المحمودية ودسوق الذي يمر على قريتنا على بعد كيلومتر كان قد لزم القرية، فلا يبرح براندة منزلهم وبراندة منزلنا وبينهما ثلاثة بيوت ممسكا بالعصاية العوجاية؛ ورغم ذلك كان له أمر عجيب.
كان بعض الشباب قد أنهى الخدمة العسكرية، وبعضهم أنهى الدراسة الجامعية، وكل حين كان يأتينا ضيوف من محافظات شتى لزيارة رفاقهم، فما ورد على قريتي ضيف من أية محافظة من محافظات مصر، وتصادف لقاء خالي أحمد به إلا سأله: منين الأستاذ؟
يتعجب الأستاذ من سؤال قروي عجوز، فيجيب غير مكترث: من محافظة بعيدة يا حاج.
يسأله خالي أحمد: منين يعني؟
فيرد الضيف: محافظة كذا.
فيسأله خالي أحمد: منين في محافظة كذا؟
فيرد الضيف وقد بدأ يضيق ذرعا بالأسئلة: مركز كذا.
وهنا يدرك خالي أحمد أنه لو سأله عن القرية فربما زاد ضيقه، فيبادر هو ويذكر أسماء القرى التابعة لذلك المركز بثقة وقد رفع نبرة صوته قليلا وكأنه يعطي المسؤول درسًا في أسماء القرى التابعة لمركزه: يعني من قرية كذا، ولَّا كذا، ولَّا كذا...؟
عندئذ يعتدل الضيف في جلسته مذهولا، وكأنه أمام ساحر وليس إنسانًا عاديًّا، ثم ينطق في أدبٍ شديد وبصوت خفيض اسم قريته وعيناه شاخصتان تجاه خالي أحمد، وبمجرد أن ينطق اسم القرية إذا بخالي أحمد يصمت برهة قصيرة، وكأنه يستدعي ذاكرته، ثم يسأل الضيف: أخبار الحاج فلان وعلان وعلان إيه..؟
يا الله...!! متى وكيف سافر لكل هذه المحافظات، وكل هذه البلاد البعيدة، ومتى كوَّن هذه العلاقات والمعارف..؟! كان كل من يسأل عنهم قد ماتوا، لم يسأل مرة عن أحد وكان حيًّا، ولا أزال أتذكر تلك الدهشة في وجوه الضيوف، لقد تكرَّرَ هذا الموقف أمامي أكثر من مرة، فمرة كان الضيوف من قرية تابعة لمحافظة المنيا، ومرة أخرى كانوا تابعين لمحافظة مطروح، حوالي 300 كيلو شمال قريتنا، و300 كيلو جنوبها.
كنا قد ألفنا هذا من خالي أحمد، فإذا جاءنا ضيوف من أي مكان في الدنيا، ودخل عليهم بعصاه العوجاية، فسلم وقعد، سكتنا جميعا متوقعين الاستماع لهذا السيناريو البديع، ولم يَخِبْ مرَّةً واحدة.
لم يكن في مدينة المحمودية سوى عيادة خاصة واحدة (عيادة الدكتور حسن) يقصدها أهل المحمودية وسكان عشرات القرى المنتشرة حول المركز، وفي يوم زار خالي أحمد تلك العيادة، وفي حجرة الكشف تمدَّدَ على السرير ووضع عصاه العوجاية بجانبه، ثم انشغل بالكلام مع الطبيب، ونسي العصا، وعاد إلى قريتنا فتذكرها، وأدرك أنه تركها في العيادة، وكانت للعصا في ذلك الزمان قيمة كبيرة، وفي اليوم التالي عاد إلى العيادة، ودخل إلى الدكتور حسن فلم يجدها في مكانها، فسأله عنها، فقال الدكتور حسن: أنا بيدخل عندي ناس من جميع القرى إزاي حركز في عصايتك يا حاج أحمد؟!
- طيب الناس اللي دخلوا بعدي أساميهم معروفة؟
- أيوه يا حاج أحمد في الكراسة بتاعة التمرجي.
- طيب ممكن أسمع أساميهم؟
- سهلة يا سيدي؛ روح اقعد جنب التمرجي خليه يقرا أساميهم واحد واحد.
قعد خالي أحمد بجوار التمرجي، وكلما ذكر اسما قال له: (اللي بعده...) وعند اسم معين قال له: (بس خلاص شكرا يا ابني...)
لم يتردد لحظة، ذهب إلى عزبة كفر نكلة ويقال لها أيضا: عزبة (الصحن)، وهي تبعد عن قريتنا حوالي أربعة كيلومترات وتفصلها عن جهتنا ترعة المحمودية. وطرق باب المقصود، فرحب به وهو لا يعلم سبب الزيارة، فقال له: جهِّز الغدا، فأشار الرجل إلى أهل بيته أن أعدوا الغداء.
أخذ خالي أحمد يتحدث في أمور الحياة، حتى وُضِعَ الطعام فأكل وشرب الشاي، ثم فاجأ صاحب المنزل بأمره: ادخل هات العصاية عشان عايز أمشي.
- عصاية إيه..؟
- اللي خدتها من عيادة الدكتور حسن إمبارح.
- والله يا حاج أحمد ما أعرف إنها بتاعتك ولو أعرف ما كنت خدتها.
- يعني بتاعتي ولا بتاعة غيري... حاجة محطوطة بتمد إيدك عليها لييييه؟!!
لم يكتفِ خالي أحمد بالعصا والغداء، وإنما أخذ منه أجرة المواصلات إلى عزبة الصحن.
أما موهبته في الردود الساخرة، فتحتاج إلى كتاب كبير، أذكر منها هنا واحدًا فقط لعله يشير إلى تلك المَلَكَة لديه؛ كان الحاج (عبد الله إبراهيم) قد اتخذ حصالة للمسجد القبلي وكان لا يزال في هيئته القديمة، يجمع فيها التبرعات كل جمعة بين الخطبتين، وكان مهتما بشراء ما يحتاجه المسجد من أشياء بسيطة، حنفية، أو لمبة، أو غير ذلك... وذات يوم كان يحتاج إلى ربع جنيه لشراء شيء من هذا، وبينما بعض الرجال جالسون أمام المسجد وبينهم خالي أحمد، أخذ يلح عليهم في طلب المبلغ، فكان هذا الحوار بينه وبين خالي أحمد:
- أنا مش عارف أنت تاعب قلبك وتاعبنا معاك ليه؟ عندك حصالة الجمعة افتحها وهات اللي أنت عايزه.
- لا.. الحصالة دي شايلنها لحاجة تانية.
- حاجة تانية إيه يا عبد الله؟
- حاجة كده وخلاص.
- بص يا عبد الله، لو كان في دماغك تِجَوِّز الجامع، الجامع خلاص كبر على الجواز... ------------
ولعل للحديث بقية...

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Smartwatch

Random Products